السيد محمد حسين فضل الله
54
من وحي القرآن
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وقد نحتاج إلى الإطلالة على خصوصية التعبير عن الالتزام بعبادة اللَّه ، والاستعانة به ، بطريقة تقديم المفعول به على الفعل والفاعل الذي ينفصل فيه الضمير فيتحول من ضمير متصل في ما يتمثل في كلمة « نعبدك » « ونستعينك » ، إلى ضمير منفصل يتقدم على الفعل وذلك في جملة : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . وهذه الخصوصية هي الحصر الذي يدلّ عليه تقديم المفعول على الفعل ليكون المعنى هو حصر العبادة باللَّه ، والاستعانة به ، وذلك من أجل التعبير عن التوحيد العملي الذي هو التجسيد الواقعي للتوحيد الفكري العقيدي ، فقد لا يكفي في الإسلام ، كما في كل الرسالات التوحيدية ، أن يعيش الإنسان العقيدة في دائرتها التصورية ، بل لا بد له من أن يعيشها في دائرتها العملية ، فيما هي حركة العبادة في الذات ، وفيما هي مسألة الارتباط باللَّه ، المشدود إليه في أوضاع الحياة . بل ربما نجد أن هناك نوعاً من الوحدة بين الجانب النظري والجانب العملي في دعوة الرسالات ، بحيث يكون التوحيد في العبادة هو الواجهة للدعوة في ما تختزنه من التوحيد في العقيدة . وهذا ما حدّثنا عنه في دعوة نوح وهود وصالح عليهم السّلام التي اختصرتها الفقرة التالية في قوله تعالى : اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [ الأعراف : 59 ] . ولعل هذا هو التعبير الحركي الذي انطلقت فيه سورة الفاتحة من أجل تأكيد الدعوة إلى التوحيد في أسلوب الإقرار الذاتي الذي يندفع فيه الإنسان المؤمن ، كحالة شعورية ذاتية ، بعيداً عن الجانب التقريري في هذه المسألة العقيدية المهمّة ، مما يترك تأثيرا إيجابيا على حركة العقيدة أكثر مما يتركه من التأثير في الأسلوب الخطابي أو التقريري ، في ما يمثّله من التعبير عن الصورة